ابن كثير
417
البداية والنهاية
ملعونة مشحونة بعبدة الصليب ، فحين وصل إليهم وقدم عليهم لم يبق لاحد من ملوكهم معه كلام ولا حكم ، لعظمته عندهم ، وقدم معه باز عظيم أبيض وهو الأشهب ، هائل ، فطار من يده فوقع على سور عكا فأخذه أهلها وبعثوه إلى السلطان صلاح الدين ، فبذل الفرنجي فيه ألف دينار فلم يجبه إلى ذلك ، وقدم بعده كيدفرير وهو من أكابر ملوكهم أيضا ، ووصلت سفن ملك الانكليز ، ولم يجئ ملكهم لاشتغاله بجزية قبرص وأخذها من يد صاحبها ، وتواصلت ملوك الاسلام أيضا من بلدانها في أول فصل الربيع ، لخدمة الملك الناصر . قال العماد : وقد كان للمسلمين لصوص يدخلون إلى خيام الفرنج فيسرقون ، حتى أنهم كانوا يسرقون الرجال ، فاتفق أن بعضهم أخذ صبيا رضيعا من مهده ابن ثلاثة أشهر ، فوجدت عليه أمه وجدا شديدا ، واشتكت إلى ملوكهم فقالوا لها : إن سلطان المسلمين رحيم القلب ، وقد أذنا لك أن تذهبي إليه فتشتكي أمرك إليه ، قال العماد : فجاءت إلى السلطان فأنهت إليه حالها ، فرق لها رقة شديدة حتى دمعت عينه . ثم أمر بإحضار ولدها فإذا هو قد بيع في السوق ، فرسم بدفع ثمنه إلى المشتري ، ولم يزل واقفا حتى جئ بالغلام فأخذته أمه وأرضعته ساعة وهي تبكي من شدة فرحها وشوقها إليه ، ثم أمر بحملها إلى خيمتها على فرس مكرمة رحمه الله تعالى وعفا عنه . فصل في كيفية أخذ العدو عكا من يدي السلطان لما كان شهر جمادى الأولى اشتد حصار الفرنج لعنهم الله لمدينة عكا ، وتمالؤا عليها من كل فج عميق ، وقدم عليهم ملك الانكليز في جم غفير ، وجمع كثير ، في خمسة وعشرين قطعة مشحونة بالمقاتلة وابتلى أهل الثغر منهم ببلاء لا يشبه ما قبله ، فعند ذلك حركت الكؤسات في البلد ، وكانت علامة ما بينهم وبين السلطان ، فحرك السلطان كؤساته فاقترب من البلد وتحول إلى قريب منه ، ليشغلهم عن البلد ، وقد أحاطوا به من كل جانب ، ونصبوا عليه سبعة منجانيق ، وهي تضرب في البلد ليلا ونهارا ، ولا سيما على برج عين البقر ، حتى أثرت به أثرا بينا ، وشرعوا في ردم الخندق بما أمكنهم من دواب ميتة ، ومن قتل منهم ، ومن مات أيضا ردموا به ، وكان أهل البلد يلقون ما ألقوه فيه إلى البحر . وتلقى ملك الانكليز بطشة عظيمة للمسلمين قد أقبلت من بيروت مشحونة بالأمتعة والأسلحة فأخذها ، وكان واقفا في البحر في أربعين مركبا لا يترك شيئا يصل إلى البلد بالكلية ، وكان بالبطشة ستمائة ( 1 ) من المقاتلين الصناديد الابطال ، فهلكوا عن آخرهم رحمهم الله . فإنه لما أحيط بهم
--> ( 1 ) في الكامل : سبعمائة ; ومقدم المقاتلين يعقوب الحلبي مقدم الجندارية ويعرف بغلام ابن شقتين ( وفي ابن خلدون : يعقوب الحلي غلام ابن شغنين ) .